ابن فرحون
56
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
جيدة وسقاية للماء ، ودارين ، وكان كثير المعروف ، محبا للخير وأهله ، مؤثر الباقي على الفاني ، رحمه اللّه . ومنهم أمين اللّه خالص البهادي ، كان فيه من السكون والخير المكنون ، ما لا مزيد عليه ، وكان يتعانى الفلاحة ، فيخالط الناس فيسلم منهم ويسلمون منه ، متواضعا متأدبا يرحم المسكين ، ويعين من به يستعين . طالت أيامه وكثر ماله ، حتى أوقف الأوقاف ، وله رباط بباب البقيع ، وله عتقاء من عبيد وإماء ، وغرس في الحرم خادمه سرورا لقراءة القرآن ، وألزمه حضور الأسباع ، فجادت قراءته وحسن صوته ، فظهر بين أقرانه برجلة وشجاعة . ومنهم عنبر الموصلي « 1 » ، وهو من قدمائهم ، كان خادما للشيخ محمد الأعمى ، خدمه محبة للّه وموالاة ، فاكتسب من أخلاقه الحسنة ورياضته مدة حياته ، ما حصّل به خيري الدنيا والآخرة ، بنى دارا قبالة دار العشرة وأوقفها . ومنهم مفتاح الهندي « 2 » ، كان من الكبار ، عاش مئة سنة على عبادة ومجاهدة من أرباب الكمالات الكرامات ، وقف نخلا جيدا بالحشان ، ونخلا آخر ببئر عزّ العرب ، كان يعمل كل سنة في شهر ربيع الأول مولدا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ينفق فيه نفقة جليلة ، وكان يقول : إنه يعرف يوم وفاته ، وإنه يموت في شهر رجب - أظنه السادس أو الرابع منه - فكان كذلك ، وكان غالبا يعمل مولده في بيتي ، ويحضر كأنه واحد من الجماعة . وحضر يوما مع الجماعة ، فلما خرجوا قدمت له طعاما فيه لحم ، فوقفت في حلقه لحمة ، شهق منها شهقة ما شككت أنه مات ، ثم إنه أفاق بعد ذلك . وقال لي عند إفاقته : خفت عليّ أن أموت ، لا أموت اليوم ، بل بقي لي كذا وكذا ثم أموت ، فكان كما قال ، رحمه اللّه ونفع به . ومنهم الطواشي صندل « 3 » ، كان من أكابر القدماء الرؤساء المتعففين
--> ( 1 ) ذكره في : « التحفة اللطيفة » 2 / 361 ( 3364 ) ، نقلا عن ابن فرحون . ( 2 ) ترجمته في : « المغانم المطابة » ، الورقة 259 / ب . ( 3 ) ذكره في : « التحفة اللطيفة » 1 / 458 ( 1815 ) ، نقلا عن ابن فرحون .